الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
265
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
أمر تشهد به الضرورة والبداهة ، والخبر والعيان لم ينقل خلافه ، ولم يختلف نقله ، مع توفّر دواعي العرب - كما عرفت - على معارضته ومباهتته ؛ لتوفّر دواعيهم على إسقاطه وحطّه ، كتوفّر دواعي النقلة - لو كان - على نقله وضبطه ، سيّما من الملل الخارجة التي لا تزال تتوخّى مطاعن هذا الدين وتتطلّبه بالتعيير والتأفين . فانظر كيف بلغ الحال في الوضوح والقوّة في المقامين إلى حيث لم يبق مجال لأُولئك البلغاء من مهرة الكلام وفرسان البيان الذين هم شرّعوا شرائع البلاغة ورفعوا أعلام الفصاحة ، وسنّوا للناس طرقها وأضاءوا أُفقها وسهّلوا سبلها . فإنّهم - مع عظيم تلك القوّة وفسيح هاتيك القدرة - لم يقتدروا على تعمية الحال ، والتكاذب على أنفسهم أو غيرهم بتلفيق ما يباهتون أنّه يقاربه أو يساويه أو يشبهه أو يضاهيه ، مع ما كانوا عليه من شدّة الحنق والعصبية التي هي السبب الوحيد غالباً في غمط الحقّ وجحوده أو احتجابه عن عين شهوده . كما لم يبق للنَقَلة والحفّاظ والحملة مجال لنقل غير الواقع في أمره ، أو جعل فرية في شأنه من مراجعة أو ممانعة أو مناقضة أو معارضة ، بل اتّفق النقل بأطراف نسبته الثلاث على ما فيه جلاء الشكّ وقلاع الشبهة ووضوح الحجّة . فكم في تضاعيف الأخبار وتفاريق الأنقال ما يشهد لك به أقوى الشهادة ويهجم بك منه إلى منتهى العادة . ولعلّك سمعت ما عن جماهير الجاهلية وجهابذة قريش ، حيث تألّبوا غير مرّة وتحزّبوا وتعاهدوا على المعارضة وتعاقدوا ، حتّى إذ تُليت عليهم بعض آياته وصدعت آذانهم بالحقّ زبر بيّناته ومعجز آياته ، خرّوا بالإذعان على الأذقان وسجدوا وعن القيام بوفاء العهد قعدوا .